محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

548

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

لكلّ أحد بنفس بيانه ، ولو كان كذلك لكان جائزا أن ينزّل كتاب ويوكّل بيانه إلى كلّ من يتولّى بيانه ، بل له مبيّن خاصّ معيّن ، كما قال : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ لا ليتبيّن للناس ؛ وكما أنّ موسى - عليه السلام - كان تلو التوراة وعيسى - عليه السلام - كان تلو الإنجيل ، ولم يتركاهما ( 239 آ ) هملا فيما بين الأمّة يتصرّف في ظاهرهما وباطنهما كلّ من عرف اللغة السريانية برأيه ، بل وكلا أمرهما إلى حامل مطيق بأعبائه ، كذلك المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - تلو القرآن وقال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ؛ فإليه تبيين المنزل وتفصيل المجمل والتمييز بين الحقّ والباطل ، ولم يتركه هملا سدى فوضى بين الناس شورى بين العامّة يتصرّف في ظاهره وباطنه وتنزيله وتأويله كلّ من عرف اللغة العربية برأيه ، بل وكل أمره إلى أحد الثقلين ، حامل مطيق بأعبائه ، ناقل حقيق بإعلانه وإعلائه ، وقال فيه : « إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض 591 » فهم الذين آتيناهم الكتاب حقا وغيرهم ما آتيناهم حقّا ، وهم الذين يتلونه حقّ تلاوته يعرفونه حقّ معرفته ، وهم الذين يؤمنون به حقّا ، يعرفون حلاله ، فيحلّونه ؛ ويعرفون حرامه ، فيحرّمونه . وحقّ التلاوة على وجوه : منها : صحّة إخراج الحروف من مخارجها . ومنها : صحّة وضع الألفاظ على مواضعها . ومنها : صحّة نظم المعاني على طرائقها . ومنها : الوقوف على أسرارها من الحروف والأصوات أوّلا ، ومن الألفاظ والكلمات ثانيا ، ومن المعاني والآيات ثالثا ، فيميّزون بين المحكمات منها والمتشابهات ، وبين العمومات منها والخصوصات ، وبين المفروغات منها والمبتدءات ، وبين المشروعات منها ظاهرا والمقدّرات باطنا ، وبين المقضيّات منها في المبادئ وبين المحكومات في الكمالات إلى غير ذلك من علوم لم تتنسّم بعد نسائمهما ، وأسرار لم تفترعها الأفكار ؛ فلا عين رأتها ولا أذن سمعتها ولا خطر على قلب بشر :